قطاع النقل على المحك... غلاء البنزين يكوي جيوب السائقين

قطاع النقل على المحك... غلاء البنزين يكوي جيوب السائقين -- Mar 26 , 2026 20

بينما يراقب العالم خرائط التوتر المشتعلة في المنطقة، ويحبس اللبنانيون أنفاسهم مع كل غارة أو خرق لجدار الصوت، يبرز صراع من نوع آخر خلف مقاعد السيارات العمومية ودرّاجات التوصيل. لم يعد "البنزين" مجرّد سائل محرّك، بل تحوّل إلى نار تكوي جيوب الكادحين الذين يجدون أنفسهم اليوم في مواجهة "تنين" مزدوج الرؤوس: غلاء فاحش فرضته تقلّبات الأسواق العالمية والضرائب المحلّية، وحرب ضروس شلّت الحركة وقطعت أوصال الرزق.

سائق التاكسي: صراع البقاء في شوارع "مهجورة"

في جولة لـ "نداء الوطن" لاستطلاع أحوال السائقين الذين يجوبون الشوارع بحثًا عن ركّابٍ أثقلت الحرب كاهلهم، يبدو المشهد سرياليًا؛ وجوه متعبة خلف المقود، وأعين شاخصة نحو جدول تركيب الأسعار. "أبو فؤاد"، سائق تاكسي أمضى عمره في التنقل بين أحياء العاصمة، يتحدّث بنبرة يسكنها الانكسار: "كنا نصارع الغلاء بزيادة ساعات العمل، لكن اليوم بتنا نصارع الموت. الحرب لم تترك لنا شارعًا آمنًا، وغلاء البنزين جعل من كل رحلة مغامرة خاسرة. نحن ندفع ثمن صراعات المنطقة وثمن فشل السلطة في آن واحد، فصفيحة البنزين باتت تلتهم غلّة النهار، وما تبقى لا يكفي ثمن ربطة خبز لعائلاتنا التي تعيش تحت وطأة النزوح والقلق".

ويستطرد قائلًا: "الناس تلومنا على التسعيرة، ولكن كيف لنا أن نستمرّ والضرائب تزداد مع كل لتر وقود؟ لقد باتت السيارة عبئًا، والتجوّل في الشوارع بانتظار "الرزقة" صار مكلفًا ومحفوفًا بالمخاطر، خاصة أن الراكب نفسه لم يعد يملك القدرة على دفع ثمن "السرفيس" بعد أن تآكلت قيمته الشرائية بفعل الانهيار".

قطاع التوصيل: انتحار اقتصادي تحت القذائف

أمّا جيل الشباب العامل في قطاع "الدليفري"، فهو يمثل المأساة الحية في لبنان. "سامر"، الذي يتنقل بدرّاجته النارية في ظروف أمنية بالغة الخطورة، يروي لـ "نداء الوطن" كيف تحوّل عمله إلى "انتحار مقنّع": "نحن نقود درّاجاتنا تحت خطر القصف والتوتر، ليس حبًّا بالمخاطرة، بل هربًا من الجوع. لكن الغلاء الفاحش الذي سببه توتر الممرّات الملاحية والضرائب المحلية المستحدثة جعلنا نعمل لصالح محطات الوقود فقط. فالتسعيرة التي يتقاضاها العامل لا تغطي كلفة البنزين الذي يحترق في زحمة السير أو بسبب الطرقات المقطوعة من جرّاء الأوضاع الأمنية".

ويضيف سامر بمرارة: "عندما تشتعل المنطقة، يطير سعر البرميل، وعندما تهدأ، تخترع لنا الدولة ضرائب جديدة. نحن اليوم في مواجهة مباشرة مع قدرنا؛ إما أن نموت بقذيفة، أو نموت فقرًا بسبب صفيحة بنزين لا ترحم".

إن ما يعيشه قطاع النقل اليوم في لبنان هو انعكاس لانهيار شامل؛ فالدولة التي استسهلت رفع الدعم وفرض الرسوم، تركت السائقين يواجهون قدرهم أمام تقلّبات جيوسياسية لا يد لهم فيها. ومع دخول عامل الحرب المباشرة، بات "الخروج إلى العمل" يمثل عبئًا نفسيًا وماديًا يفوق طاقة البشر.

إن استمرار هذا النزيف، وتجاهل صرخات السائقين الذين باتوا يفضلون الصمت على الكلام، هو نذير بانهيار اجتماعي قد يفوق في خطورته تداعيات الحرب نفسها. فهل تتحرك الضمائر قبل أن تتوقف آخر محركات الإنتاج في هذا البلد المنهك؟

جوانا صابر - نداء الوطن

أقرأ أيضاَ

تجمُّع روابط القطاع العام: للإسراع بابتكار المسوّغات القانونيّة لصرف الاضعاف الستة

أقرأ أيضاَ

تخفيض وزن ربطة الخبز ٢٥ غراما.. ماذا عن سعرها؟